لاوتورو مارتينيز..التلميذ المتمرد الذي قهر معلمه المتعجرف

    في عام 2014 برز فيلم ''whiplash'' والذي يعد أحد أيقونات المخرج داميان شازال ونال هذا الفيلم استحسان النقاد والجماهير كذلك، ليترشح لخمس جوائز في حفل الأوسكار عن نفس العام، ويتحدث هذا الفيلم عن رحلة تلميذ طموح يدعى أندرو نيمز الذي يحلم بأن يصبح عازفا عظيما لموسيقى الجاز، لكن هذا طموح هذا التلميذ يصطدم بقسوة وعجرفة المعلم تيرينس فليتشر الذي يعامل أندرو وجميع أعضاء الفرقة الموسيقية بطريقة قاسية للغاية وغير إنسانية، لكن تلك الطريقة الغير آدمية لم تزد أندرو إلا عزما على كبت جماح هذا المعلم وإثبات جدارته في أن يصبح عازفا عظيما، وربما لم يعلم داميان شازال أن ذلك الصراع الذي تناوله في الفيلم سيتكرر بعد أربع أعوام ولكنه على أرض الواقع وفي عالم الساحرة المستديرة مع لاعب إسمه لاوتورو مارتينيز ..



    ولد مارتينيز في مدينة تدعى باهيا بلانكا، وهي تقع في محافظة بيونس آيريس شرق الأرجنتين وتعرف تلك المدينة بعشق سكانها لكرة السلة، لكن على النقيض أراد لاوتورو أن يصبح لاعب كرة قدم على خطى والده ماريو مارتينيز، والذي لعب في مركز الظهير الأيسر مع العديد من الأندية مثل فيلا ميتر، روزاريو بورتو بلغرانو، ولينيرس..ونظرا لتمتع مارتينيز بالموهبة وإصراره على أن يكون لاعب كرة قدم، أخذه والده إلى مقر نادي لينيرس ليضم مارتينيز إلى صفوفه وهو في الخامسة عشر من عمره..ولم يأخذ مارتينيز الكثير من الوقت لإثبات نفسه، إذ سجل 13 هدفا مع لينيرس في الدوري الأرجنتيني تحت 17 عام، وساعد مارتينيز فريقه في الوصول لنهائي المسابقة أمام روزاريو وسجل هدفا في المباراة التي خسرها لينيرس بثلاثة أهداف مقابل هدفين، تألق مارتينيز الملفت مع لينيرس جذب أنظار النادي العريق راسينغ كلوب في عام ، وبالتحديد فابيو رادايلي الذي كان يشرف على تدريب الفريق الأول لفترة مؤقتة، ليعجب بمارتينيز ويضمه إلى صفوف راسينغ في صيف عام 2014.


    الحنين دائما إلى الوطن هي سمة في اللاعب اللاتيني والأرجنتيني بالأخص، إذ قال مارتينيز من قبل في مقابلة أجريت معه عام 2017: ''انا متعلق دائما بعائلتي وبالأخص أخي الأكبر، فنحن متشابهان للغاية وقمنا معا بكل شئ، ذهبنا للمدرسة معا ومارسنا كرة القدم معا وكنا نخرج معا''.

    تعلق لاوتورو الشديد بأسرته جعله يفكر في ترك راسينغ والعودة إلى مدينة باهيا مرة أخرى، لكن زميله في الفريق برايان مانسيلا والذي أصبح صديقه المقرب أقنعه بالبقاء مع راسينغ كما يقول مارتينيز:- '' كان بريان أحد أولئك الذين فتحوا الأبواب أمامي، مكانه ، لكنه كان دائما متاحا، كنت أرغب في العودة إلى باهيا لأنني افتقدت عائلتي، لكنه أقنعني بأن أبقى والاستمتاع باللعب مع راسينغ وأنا سأبقى دائما ممتن له''.


    واصل مارتينيز مسيرته مع راسينغ وأطلق العنان لتفجر موهبته، إذ شارك مارتينيز مع فريق راسينغ تحت 19 عاما عام 2015 في 64 مباراة وتمكن من إحراز 53 هدفا ، تألق لاوتورو لفت أنظار عديد الأندية الأوروبية، إلا أن عملاق إسبانيا وأوروبا ريال مدريد كان صاحب الرغبة الأكبر في ضم مارتينيز، وعلى الرغم من وصول الميرنجي إلى اتفاق بالفعل مع مارتينيز، إلا أن اللاعب رفض في الأمتار الأخيرة الذهاب لملعب سانتياجو برنانبيو، وذلك لأن مارتينيز أراد البقاء في راسينغ لرغبته في التطور شيئا فشيئا في الأرجنتين ولأنه يرى أن ليس جاهزا بعد للذهاب إلى أوروبا، إضافة إلى حلم اللاعب بالمشاركة مع منتخب بلاده بكأس العالم في روسيا، كلها أسباب منطقية جعلت مارتينيز يفضل المكوث مدة إضافية مع راسينغ.


    وفي اليوم الأول من نوفمبر عام 2015، افتتح مارتينيز سجل مشاركاته مع الفريق الأول لراسينغ في الدوري الأرجنتيني، عندما حل بديلا للأسطورة دييجو ميليتو في المباراة التي فاز بها راسينغ على كروزيرو ديل نورت بثلاثية نظيفة، ولم ينتظر مارتينيز كثيرا ليقص شريط أهدافه في الدوري الأرجنتيني أمام هواركان في نفس الشهر.

    وبحلول موسم 2017 جاءت الإنطلاقة الحقيقية لمارتينيز في مسيرته الكروية، فبعد إصابة المخضرم ليساندرو لوبيز نجم نادي بورتو وليون السابق، أصبح لاوتورو المهاجم الأساسي لراسينغ وشارك في 23 مباراة سجل خلالهم تسعة أهداف، تألق استمر في موسم 2018 ليلفت اللاعب أنظار عملاقا أوروبيا آخر وهو أتليتكو مدريد، إذ رغب دييجو سيميوني في استطقاب اللاعب إلى الأتليتي وبالفعل أكدت عديد الأخبار أن الصفقة تمت مقابل 12 مليون يورو وأن مارتينيز سيوقع عقدا في يناير عام 2018 حتى عام 2024، لكن على النقيض أعلن راسينغ في وقت لاحق عن تجديد عقد مارتينيز لعام إضافي، كذلك أصدر النادي بيانا رسميا يهاجم فيه إدارة أتليتكو مدريد وذلك لعمل اللاعب للكشف الطبي دون علم النادي الأرجنتيني، ليتأجل رحيل مارتينيز إلى أوروبا مرة أخرى.


    قدم مارتينيز في عام 2018 أفضل مواسمه مع راسينغ، إذ سجل 13 هدفا في 21 مباراة لعبها مع الفريق في جميع المسابقات، موسم رائع للنجم الشاب جعل المدرب خورخي سامباولي يقوم باستدعاءه لأول مرة إلى منتخب الأرجنتين في مارس من العام ذاته، ليحل محل جونزالو هيجواين في المباراة التي خسرتها الأرجنتين أمام إسبانيا بستة أهداف مقابل هدف ، إضافة إلى دخول مارتينيز للقائمة الأولية لمنتخب التانجو بكأس العالم في روسيا، وفي هذا الموسم شعر مارتينيز أخيرا أن الذهاب إلى أوروبا قد حان وبالطبع لاعب يقدم تلك المستويات ستتهافت عليه الأندية، لكن هذه المرة لم يكن ناديا إسبانيا يريد ضم اللاعب، بل جاء العرض هذه المرة من إيطاليا وبالتحديد مدينة ميلانو، إذ أصر إنتر ميلانو على ضم مارتينيز ولم تمانع إدارة راسينغ هذه المرة، حيث أعلن فيكتور بلانكو رئيس النادي أن لاوتورو سينتقل إلى إنتر ميلانو الصيف القادم، وبالفعل في الرابع من يوليو أعلن النيراتزوري عن ضم مارتينيز من صفوف راسينغ مقابل 22 مليون يورو وبشرط جزائي هو الأكبر بين جميع اللاعبين، إذ بلغت قيمة فسخ عقد مارتينيز 111 مليون يورو متفوقا على النجم ماورو إيكاردي الذي تبلغ قيمة فسخ عقده 110 مليون يورو، ليكتب لاوتورو فصلا جديدا في مسيرته الكروية.


    دخل مارتينيز جدران ملعب جوزيبي مياتزا بالكثير من الحماس، كيف لا وهو الذي أختار الانضمام إلى صفوف إنتر دونا عن غيره، رغبة منه في السير على خطى مواطنه وزميله السابق في راسينغ، دييجو ميليتو، حماس بالفعل ظهرت بوارده مبكرا إذ تألق مارتينيز في الفترة التحضيرية للموسم الحالي وسجل هدفين أمام كل من لوجانو وزينيت سان بطرسبرج، إضافة إلى أدائه الرائع أمام أتليتكو مدريد وتسجيله لهدف هو الأجمل في مسيرته الكروية دون شك، لكن كل هذا ذهب أدراج الرياح وكأنه لم يكن، إذ لاقى حماس مارتينيز عجرفة مدرب إسمه لوتشيانو سباليتي!


    مع انطلاق الموسم الحالي بالدوري الإيطالي وجد مارتينيز خارج حسابات سباليتي، وعلى طريقة المعلم فليتشر بفيلم ''whiplash'' استمر سباليتي في تهميش عظام لاوتورو شيئا فشيئا، فاللاعب وجد نفسه حبيسا لدكة البدلاء تارة، وخارج القائمة تارة أخرى، تهميش جعل اللاعب يخرج عن صمته ويصرح أنه يبذل قصارى جهده في التدريبات لإثبات جدارته لسباليتي إلا أنه لا يعتمد عليه، ولم تمضي على تصريحات مارتينيز سوى أسابيع معدودة حتى خرج والد اللاعب بعد الهزيمة التي مني بها إنتر أمام توتنهام بدوري أبطال أوروبا ويعترض على عدم اعتماد سباليتي على مارتينيز بصفة أساسية مع النيراتزوري، ليرد سباليتي بعد ذلك ويدعي أن والد لاوتورو يسبب له وللفريق المشاكل.


    نقطة تحول؟

    على الرغم من إهمال سباليتي لمارتينيز واعتباره وكأنه ليس موجود تقريبا في الفريق، إلا أن تصريحات سباليتي عن لاوتورو لا تدل أبدا على وجود صراع بينهما، فدائما ما يخرج سباليتي في المؤتمرات الصحفية ليشيد باللاعب ويؤكد أنه عنصر مهم في الفريق، تصريحات سباليتي أصبحت كالكليشيهات المعتادة تتكرر كل أسبوع وباتت وكأنها سيناريو ممل متعارف عليه حتى جاء يوم السادس والعشرين من ديسمبر الماضي، حيث واجه إنتر نابولي في مواجهة مصيرية نحو الصراع على المركز الثاني، حينها قدم لاعبوا الإنتر مباراة كبيرة لكن لم يتمكن أي لاعب من ترجمة الفرص التي سنحت للتسجيل، ليستبجد هذه المرة سباليتي بلاوتورو ويقحمه عند حلول الدقيقة 83، وهذه المرة لم يسمح مارتينيز أن يتم تهميش عظامه مرة أخرى، إذ أعطى اللاعب قبلة الحياة لمدربه ال ولفريقه واقتنص هدف الفوز في اللحظات الأخيرة قبل صافرة النهاية، ليكتب مارتينيز شهادة ميلاد جديدة له في مسيرته كلاعب مع النيراتزوري ويرسل رسالة لمعلمه المتعجرف أنه سيستمر في التمرد بلا نهاية لكن بطريقة واحدة فقط وهي مردوده على أرض الملعب وليس بأي طريقة أخرى لحين اعتماد سباليتي عليه بصفة دائمة.
                                               

    مقالات متعلقة