دافيد سيلفا، نفحة من جزر الكناري

    حبة الكرز التي تزين النصف الثاني للملعب، الجنرال الحابك لأطراف المعركة، العالم بخبايا و استراتيجيات المنافسين، المخرج الواضع للسيناريوهات، الحساب للخلف يسيره رئيس جزر الكناري، لقطة خاطئة من الخصم في التحرك يلتقطها رادار قدمه اليسرى لصنع هدف لنفسه و لغيره..

    كرة القدم مهربه من الأحزان، فتى صغيرا كان الحائط وسط الزقاق القاطن به فرصة لإسعاد نفسه، هدفا و تلويحة باليد متخيلا نفسه وسط الجمهور يشعره بالقشعريرة، يوما مسيرا هكذا، ما تخبئه الأيام لداڤيد الصغير لم يستشعره يوما و هو الهاوي المزداد بجزر الكناري، كناريا..


    الحلم كبر مع داڤيد كل يوم، الغصن اليافع اقترب نضوجه، من زقاقه الضيق، و أحلامه الصغيرة، إلى الميستايا، يتجمع داخله أناس يحلمون بمعناقة الذهب، يستمتعون برؤية المواهب الشابة، على مسافات قريبة من مدخل اللاعبين، و على الحافة حول الملعب، يتحملق أناس من شتى الأصناف، عجوزا ثائرا لضياع هدف، صغيرا يتمنى ملامسة الأرضية، و شابا يستمتع بمراوغة احد لاعبي فريقه..

    بين حالات الناس السابقة، يقف الجميع مندهشين لرؤية داڤيد، الشاب المقدم سلفا للجماهير، يقوم بإخراج سيرك ممتع، لمسات ذهبية، مراوغات تميل كثيرها بين الخط المقترب من الحافة المذكورة سلفا، سيطرة على المواقف الفردية، و الأكثر من ذلك، هدوءا يملؤ محياه دون خوف أو ذعر من طول اقدام المنافسين و ضخامة أجسادهم..


    لم يعبإ الرجل للمواقف الصعبة، في المكان المناسب دائما يجدون داڤيد حاضرا، في ملعب الخفافيش اكتسبوا أحدهم، شبيها بأوصافهم، مراوغا دون لمح تام لمكان الخصم و تدخله، تقنيته هي الهروب كلما كانت الظروف حالكة، تغيير الإتجاه كالسراب كان عادته..

    الرحيل سمة الحياة، داڤيد الذي أتى شابا يافعا، غصنا صغيرا، رحل الآن بعيدا، الناس لأصنافهم في الميستايا محفورا في ذاكرتهم الرجل الصامت المثرثر كثيرا بلمساته في الأسفل، النظرة التي يملؤها الحب و الإعجاب لا تزال سارية في أعين محبيه بملعب الميستايا القريب من الملعب..


    تحقيق الأحلام لا يتوقف على مكان معين، زمن خاص، و لا قطعة وحيدة من العالم، القفز نحو جودة أعلى صار لزاما لتحقيق المجد، داڤيد الآن مشهورا أكثر، يقدم نفسه كلاعب وسط حر، القيود لا تلزمه بمكان معين، من العمق و إلى الخارج، نحو الداخل و غيره من التحركات التكتيكية كلما اقتضت الحاجة، يقف سيلڤا بينما كل ما ذكر كمسير للعرض، لا يظهر عنوة لإشهار سلاحه، يتقدم ببطئ ليفتك بالخصم، يكتب كتابات قد لا تتجاوز اوساط محبيه..

    بين هذا و ذاك و بين المجد الذي حققه داڤيد داخل اللاروخا و بين جنبات ملعب الإتحاد، لا يزال الفتى النحيف مظلوما، كتاباته و كأنها على الماء، لا تتجاوز ذكراه سوى بعض المتظاهرين بالإهتمام به، قطعة الألماس التي استحقت وضعها داخل أعتى المتاحف، التي احتاجت تشهيرا أكبر، ربما لم يتجاوز داڤيد ذلك، لأنه فتى صاكتا، ابكما دون كرة، و جديا خارج الملعب..


    أعياد الميلاد ذكريات سعيدة لكثيرين، الحالات النادرة الحزينة توجد في حيز العظماء، ذكرى داڤيد سيئة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الرحيل يقترب عاما بعد عام، شهرا بعد آخر، يوما تابعا ليومه السابق، سيلڤا اسطورة بقدم يسرى بسيطة، الذكرى الثالثة و الثلاثين لميلاده لا تعدو كونها حزنا عميقا، لرجل كتب عنه أقل ما يستحق عكس ما قدمه من إنجازات عظيمة ستظل محفورة في قاموس محبيه، لأولئك العاشقين للمتخفيين وراء الستار..
                                   

    مقالات متعلقة