ريال مدريد وظاهرة Deja vu


    سدل الستار رسميا على نصف الموسم الحالي في إسبانيا، نصف موسم شهد العديد من التخبطات لريال مدريد والعديد من لحظات الصعود والهبوط في المستوى، ورغم إنهاء الميرنجي عام 2018 بشكل جيد و تتويجه بلقب كأس العالم للأندية بدولة الإمارات للمرة الثالثة على التوالي والرابعة في تاريخه، إلا أن ذلك التتويج لم يمحي من الذاكرة الصورة السيئة التي ظهر عليها لاعبوا ريال مدريد حتى الآن من هذا الموسم، فالفريق أصبح يتعرض للهزيمة بشكل منتظم كل مباراتين أو ثلاثة مباريات.

    نعم الفريق الذي أرعب الجميع لوهلة ليست بالقليلة وتمكن من أكل الأخضر واليابس في أوروبا أصبح لقمة سائغة في أيدي الجميع..هزائم متككرة من فرق الليجا كإيبار وديبورتيفو ألافيش وغيرها، إضافة إلى الفوز بشق الأنفس على أندية ربما لا توجد على الخريطة الكروية ووجدناها حديثا هذا الموسم كهويسكا ، وبالطبع لا يمكن لأحد نسيان فضيحة الهزيمة أمام الغريم التقليدي برشلونة بخماسية مقابل هدف بدون ميسي أو إن أصح التعبير خماسية بإرنستو فالفيردي.. فالفيردي الذي يستمر ميسي دائما في إنقاذه مرارا وتكرارا ويعاني معه كوتينيو ولم يتأقلم معه عثمان ديمبيلي ويبغضه جميع أنصار البلوجرانا تمكن من هزيمة ريال مدريد بخماسية، أي كأس عالم هذا أو أي انتصار ذاك سيمحي تلك الفضيحة، إنه حقا أمرا من باب الحماقة.





    ظاهرة ''Deja vu'' :

    أو حدث من قبل في القرن العشرين، أصدر الفيلسوف الفرنسي، إميل بواراك كتاب إسمه ''مستقبل العلوم النفسية'' ، وتحدث هذا الكتاب عن ظاهرة ''Deja vu'' أو شوهد من قبل، وهي ظاهرة عقلية تعبر عن شعور الأشخاص بأن عدد من المواقف باختلاف أحداثثها ومكانها وزمنها قد حدثت لهم مسبقا، كالذهاب إلى مكان لأول مرة والشعور بمعرفة هذا المكان من قبل وغيرها من المواقف والأحداث التي يتسسلل الوهم للعقل وكأنه قد عاش تلك الأحداث بالفعل.
    وتلك الظاهرة ربما ليست بالوهم مع ريال  مدريد، فالوضع الحالي الذي يعيشه ريال مدريد يذكرنا إلى حد ما ببداية انحدار إي سي ميلان، بالتأكيد الظروف ليست نفسها بالمعنى الحرفي، لكن يوجد رابط متشابه بين الفريقين.

    في البداية لماذا يسلط الضوء على لاعب مثل سيرجيو راموس وبالمثل لا يأخذ لاعبين آخرين ككاليدو كوليبالي وميلان سكرينيار نفس الاهتمام؟

    ببساطة لأن راموس قادر على خطف الأضواء داخل وخارج الميدان، سواء بالأهداف القاتلة التي يسجلها في الثواني الأخيرة والتي لعبت دورا حاسما مع ريال مدريد في العديد من البطولات كهدفه الحاسم في أتليتكو مدريد بنهائي دوري أبطال أوروبا عام 2014، أو بتصريحاته خارج الملعب والتي يدافع فيها عن زملائه تارة أو يهاجم شخصا من المنافس تارة أخرى، وبالطبع اللعب في نادي مثل ريال مدريد سيحعل الإعلام يصب تركيزه عليه أكثر فأكثر، وبالطبع خطف الأضواء في نفس الوقت ليس عيبا، فراموس هو أحد أفضل المدافعين في العالم وربما في التاريخ وقدم مسيرة أقرب للكمال للاعب مع ريال مدريد أو منتخب إسبانيا، لكن الإعلام لعب دورا في زيادة بريق راموس، وتلك الأشياء مثلا لا يفعلها كوليبالي أو سكرينار..ويكفي أن أقول أن لاعب مثل فيرجيل فان دايك والذي يقدم مستويات رائعة مع ليفربول بدأ الإعلام في مدحه بشدة بعد هدفه في ألمانيا بدوري الأمم الأوروبية في اللحظات الأخيرة، مدح لم يكن يتلقاه فان دايك على مجهوداته الدفاعية مع ليفربول.


    إذا الإعلام عامل مهم في قوة أي نادي في الوقت الحالي، بالتأكيد هناك عدة جوانب أخرى كتاريخ النادي وإسمه ، لكن الإعلام أصبح الآن له يد العليا في العديد من الأمور، وهذا بالفعل مع حدث مع ميلان لكن كيف؟



    السقوط إلى الهاوية..

    في عام 2011 امتلك ميلان تشكيلة مددجة بالنجوم، حيث تعاقد مع كل من زلاتان إبراهيموفيتش من برشلونة، وروبينيو من مانشستر سيتي، ومارك فان بوميل من بايرن ميونخ، وأنطونيو كاسانو من سامبدوريا، إضافة إلى تواجد العديد من النجوم الآخرون كأندريا بيرلو، وجينارو جاتوزو، وتياجو سيلفا ، ورونالدينهو ، وكلارينس سيدورف ، وأليساندرو نيستا، إضافة إلى وجود الثعلب فيليبو إنزاجي في الهجوم مع الجوهرة الشابة آنذاك ألكساندر باتو.

    في ذلك العام تمكن ميلان من حسم لقب الدوري الإيطالي للمرة الثامنة عشر في تاريخه ورغم الخروج من دوري أبطال أوروبا المبكر على يد توتنهام في دور ال16، إلا أن ذلك لم يعكر صفو الموسم الذي كان استثنائيا كيف لا والدوري الإيطالي عاد إلى خزائن ميلان مرة أخرى بعد غياب منذ عام 2004، بالطبع تلك الفترة كان أي لاعب يتمنى الانضمام إلى ميلان، ليس بسبب إسم النادي كما قلنا وإنما لتواجد كل هؤلاء النجوم الذين بدورهم سيتابعهم الإعلام الذي بدوره سيجذب العديد من اللاعبين للانضمام لصفوف الروسونيري..لكن كان هذا قبل حدوث الكارثة.


    في صيف عام 2012، وفي خطوة مفاجئة أعلن ميلان بيع إبراهيموفيتش وتياجو سيلفا إلى باريس سان جيرمان مقابل 80 مليون يورو..80 مليون يورو مقابل إبرا وسيلفا! رقم يبدو وكأنني أمزح لأنه حقيقي، وأتبع رحيل هذا الثنائي الرباعي سيدورف، نيستا، جاتوزو وإنزاجي الذين أعلنوا اعتزالهم بنهاية الموسم، في حين رحل بيرلو إلى يوفنتوس بعد خلاف مع المدرب ماسيمليانو أليجري..رحيل هؤلاء النجوم في ظرف عامين فقط كلف ميلان معاناة وكبوة مستمرة حتى الآن، ليس بسب فشل تعويض هؤلاء اللاعبين فنيا وحسب، وإنما بسبب فقدان الروسونيري لهيبته الإعلامية..إعلام تخلى عن ميلان واتبعه ابتعاد لبطل أوروبا سبع مرات عن دائرة الضوء ليسقط إلى الهاوية التي لم يستطع الاستفاقة منها حتى يومنا هذا، بسبب طيش من الادارة التي لم تعي خطورة الموقف وواقفت على تفريغ الفريق بتلك الطريقة.

    وفي ظروف محاكية لما حدث مع ميلان، رحل عن ريال مدريد كريستيانو رونالدو وزين الدين زيدان الصيف الماضي وفي أقل من ثلاثة أشهر مع عدم وجود لاعبين يستطيعون جذب الإعلام إلى البيت الملكي، وهذا سبب من الأسباب الرئيسية لما يحدث الآن داخل جدران ريال مدريد، فالفريق ليس بحاجة إلى لاعب جيد وحسب، لكنه بحاجة إلى لاعب يستطيع أن يعيد القوة الإعلامية التي كان يتمتع بها ريال مدريد في وجود رونالدو وزيدان، وهذا سيغري اللاعبين الآخرين للقدوم إلى قلعة سانتياجو برنابيو، مثلما يحدث الآن مع يوفنتوس، فمنذ مجئ رونالدو ونحن نسمع عن العديد من الأخبار حول قدوم نجوم آخرين كدافيد دي خيا وآرون رامسي، إضافة إلى عودة بوب بوجبا مرة أخرى إلى مدينة تورينو، أخبار لم تكن تحدث لو لم يتواجد نجم بحجم رونالدو في اليوفي.


    إذا ما يحدث هذا الموسم مع ريال مدريد ربما يكون طبيعيا، لكن الأمور مع ذلك لم تصل إلى نفس الانحدار الذي وصل إليه ميلان، فلم يرحل سوى رونالدو فقط وبقى مودريتش وذهبت أحلام إنتر ميلان إلى الجحيم، ففلورنتينو بيريز ليس غالياني ويعرف جيدا أين تؤكل الكتف، كيف لا وهو من تمكن من إنقاذ النادي في عام 2003 من الديون بإبرام صفقة مثل دافيد بيكهام قادرة على إنعاش النادي إقتصاديا وإعلاميا وهو ما حدثث بالفعل، كذلك علينا أن نتذكر أيضا أنه من درب المستحيل أن يبقى فريقا في القمة لخمس سنوات! هذا شيئا خارج دروب علم المنطق.
    محمد الزهري

    مقالات متعلقة