ماوريسيو ساري..الظالم والمظلوم


    ."لا لم نعد مرشحين للفوز باللقب بعد، لقد قدمنا أداء مذهل في الـ25 دقيقة الأخيرة ولكن أعتقد أنه علينا العمل أكثر من ذلك على بعض الأشياء".

    قبل أربعة أشهر من الآن خرج علينا الإيطالي مارويسيو ساري بهذا التصريح، عقب فوز تشيلسي على أرسنال في الجولة الثانية ببطولة الدوري الإنجليزي الممتاز، تصريح يبدوا للوهلة الأولى وكأنه نوعا من إبعاد الظغوطات عن لاعبي البلوز، ولكن في الحقيقة تصريح ساري ما هو إلا واقعا..واقعا ابتعد عن مخيلة أنصار تشيلسي وهم يشاهدون فريقهم في بداية الموسم يحقق الانتصار تلو الآخر غافلين أن الفريق يعاني من قصور في العديد من الأمور، وذلك القصور يجعله بعيدا كل البعد عن إمكانية حصد لقب البريمير ليج السابع في تاريخه.
    والآن بعدما مرت تلك الأربعة أشهر ووصلنا إلى نصف الموسم تقريبا، ها هي تصريحات ساري تثبت صحتها، تعثر أخير أمام ليستر سيتي في ملعب ستامفورد بريدج يجعل تشيلسي في المركز الرابع في الدوري والابتعاد عن الصدارة بفارق 11 نقطة، كما وأن هذا المركز الرابع الذي يحتله تشيلسي مهدد لأن هنالك فريق إسمه أرسنال يتساوى معه مع النقط ويقدم مردود مختلف هذا الموسم مع مدربه أوناي إيمري.

    مرروا إلى إيدين!

    حسنا، لن نأخذ تلك التعثرات والنتائج على أنها واقع مؤكد بتذبذب مستوى تشيلسي وسنأخذ بالأسباب الأخرى..فحتما الحل دائما لتلك المشاكل هو إيدين هازارد، إذا بحث ساري عن تسجيل الأهداف سيطلب من لاعبيه تمرير الكرة لهازارد الذي بدوره سيلبي النداء ويسجل ثمانية أهداف حتى الآن في المسابقة ويحقق أفضل معدل تهديفي له مع تشيلسي منذ انضمامه، وإذا بحث ساري عن مخرج لصناعة اللعب فسيطلب من هازارد السقوط إلى منطقة منتصف الملعب ليمدد الهجوم بالكرات ويصنع تسعة أهداف حتى الآن، فقط مرروا إلى إيدين..هذا هو لسان حال ساري، وماذا إن عجز ألفارو موراتا أو أوليفيه جيرو عن تسجيل أكثر من ستة أهداف سوية هذا الموسم! بالطبع الإجابة هازارد، سيطلب منه ساري أن يلعب في مركز المهاجم الوهمي وسط ويليان وبيدرو، هازارد..هازارد دائما مرروا إلى هازارد.
    لكن في حال غاب هازارد هل ستغيب صناعة اللعب معه؟ هل سيقدر وسط ميدان تشيلسي على تقديم 2.8 تمريرة مفتاحية في المباراة الواحدة؟

    بالطبع لا، فبجانب أن مايقدمه هازارد من أرقام وأداء استثنائي مع تشيلسي يعاني الفريق من سلبية مفرطة في وسط الميدان، سلبية تتمثل في أن أعلى لاعب في الوسط قدم تمريرات مفتاحية في المباراة الواحدة هو كانتي! نعم كانتي أنا لا أمزح، كانتي والذي يلعب في مركز المحور الأيمن لأول مرة مع تشيلسي هذا الموسم، بل وربما لأول مرة في تاريخه..كانتي والذي لا يمتلك أي خصائص في صناعة اللعب تمكن من تقديم 1.3 تمريرة مفتاحية في المباراة الواحدة، صحيح أنه رقم شحيح للغاية للاعب من المفترض أن جزء رئيسي من مهامه هو إمداد الهجوم بالفرص ليستطيعوا ترجمتها إلى أهداف، لكن قليلا من العمل أفضل من لا شئ، فكما قلنا كانتي ليس من هذه النوعية.


    لكن ماذا عن ماثيو كوفاسيتش! اللاعب الذي وصف بخليفة مواطنه لوكا مودريتش، ذلك اللاعب الذي تمنى مرارا وتكرارا الصيف الماضي الرحيل عن ريال مدريد من أجل اللعب بصفة أساسية لم يقدم نصف المنتظر منه! صناعة هداف واحد فقط مع البلوز هذا الموسم مع 0.9 تمريرة مفتاحية في المباراة الواحدة، أرقام تظهر عجز كوفاسيتش أو هذا الخليفة المنتظر لمودريتش في محاكاة ما يطلبه منه ساري على أرض الميدان، بالطبع سيضمن كوفاسيتش موقعه في التشكيلة الأساسية لأن روس باركلي والذي يمتلك اللمسة الهجومية الأفضل في وسط الملعب مازال يحاول استعادة مستواه بعد صراع طويل بينه وبين الإصابة، إضافة إلى قلة خبرة روبين لوفتس تشيك والذي لم يشارك حتى الآن بصفة أساسية مع ساري في الدوري سوى في مباراة واحدة فقط.



    والآن ننتقل إلى القطعة الأهم في وسط الميدان التي تترجم أفكار ساري على أرض الميدان وهو جورجينيو، رابع أكثر لاعب لمسا للكرة في الدوري الإنجليزي لهذا الموسم ب1,703 ، فهو مهندس العمليات الذي غير مركزه ساري الموسم الماضي عندما كان الثنائي في نابولي ، ليحوله من صانع ألعاب إلى لاعب ريجيستا في استنساخ لتجربة أنشيلوتي مع أندرية بيرلو في إي سي ميلان..ذهب ساري إلى تشيلسي وجلب معه جورجينو ليكمل مسلسل أفكاره مع البلوز المتمثلة في كشف زوايا الملعب بشكل أفضل نظرا للعب جورجينيو في مركز متأخر في الوسط، فبالتأكيد سيتمكن من لمح تحرك هجومي من ويليان خلف المدافعين، أو تحرك لبيدرو في عمق الميدان، مما سيسمح له بتمرير الكرة بشكل طولي أو قطري لضرب عمق دفاعات الخصم.
    لكن ماذا إذا كان بيدرو وويليان لم يعدوا بذلك المردود الذين كانوا يقدمونه المواسم الماضية، فالثنائي يظهر عليهم عامل تقدم السن، وبالأخص ويليان الذي يقدم واحدة من أسوا مواسمه مع تشيلسي، وليس بسبب عامل السن فحسب..وإنما يكمن السبب في عدم تأقلم ويليان بصفة كاملة مع أسلوب ساري والذي يميل إلى اللعب في عمق الملعب، بينما يعتمد ويليان في أغلب انطلاقاته على الاختراق من الأطراف وفتح الملعب، وربما كان ساري يعلم تلك المعضلة مع ويليان قبل بداية الموسم من الأساس، لذلك كان من المنطقي أن يرحل اللاعب بالفعل في الصيف الماضي لولا أن المقابل المادي الذي قدمه برشلونة لم يكن مرضيا لإدارة البلوز.




    أسلحة منتهية الصلاحية..

    بالطبع يمكننا أن نصنف الأمور السابقة على أنها تضع ساري في خانة المظلوم الذي تسلم فريق لديه نصيب وافر من العيوب، لكن الظلم الأكبر هو أن يكون هجوم فريقك عبارة عن موراتا وجيرو، فمن درب الجنون أن يريد فريق المنافسة على لقب بحجم الدوري الإنجليزي ويكون مهاجمه الأساسي موراتا، موراتا الذي سجل 15 هدفا مع اللوس بلانكوس وهو على مقاعد البدلاء أراد الرحيل إلى تشيلسي ليحصل على فرصة اللعب بصفة أساسية، والنتيجة أن اللاعب لم يلعب أساسيا مع سلف ساري أنطونيو كونتي وابتعد عن كأس العالم مع إسبانيا، ومع عودة موراتا للمشاركة أساسيا مرة أخرى مع البلوز تحت قيادة ساري ها هو موراتا يخذل جميع توقعات جماهير تشيلسي بمردود مرضي ويسجل خمسة أهداف فقط في الدوري ليجد نفسه صديقا حميما لبنك البدلاء من جديد، بينما لا يمكننا أن نرفع التوقعات لتسجيل جيرو الكثير من الأهداف مع تشيلسي، خاصة وأنه جاء كمهاجم بديل ليعوض رحيل ميتشي باتشواي.

    ومما لا شك فيه أن أزمة المهاجم تلك جعلت ساري على حق عندما أجلس الثنائي على دكة البدلاء ، ليضع الثقة دائما في منقذه هازارد حتى وإن كان هذا المركز يقلل من خطورته في الملعب، لكنه بالتأكيد يضمن له استغلال أفضل للفرص أمام المرمى.
    إذا مع علم ساري بتلك الثغرات مطلع بداية الموسم لماذا لم يطلب بعض التدعيمات؟ فساري كان بإمكانه أن يجد ضالته في مركز المهاجم مع ابنه المدلل جونزالو هيجواين والذي قدم أفضل موسم في تاريخه تحت قيادة ساري في نابولي، هيجواين الذي تم طرده من يوفنتوس لأجل عيون كريستيانو رونالدو كان الخيار الأفضل لشغل مركز المهاجم في تشيلسي، صحيح وأن تلك الصفقة كان سيشوبها الكثير من الجدل خاصة لتقدم اللاعب في السن، إلا أنه كان بالخيار الأفضل من الاعتماد على أسلحة منتهية الصلاحية كموراتا وجيرو.

    وفي وسط الميدان كان بإمكان ساري أن يتغلب على العقم الواضح في منتصف الملعب، بتغيير الخطة واستغلال كانتي الاستغلال الأمثل، بوضعه إلى جانب جورجينيو في الوسط ومع استغلال باركلي ولمسته في الأمام لتتحول الخطة إلى 4-2-3-1، فإذا كان النهج الذي تريد تطبيقه لا تستطيع المجموعة تلبيته فعليك بإيجاد الحلول الأمثل لجعل المجموعة تقوم بإخراج أفضل ما في جعبتها، فعلا عيب في الاستغناء عن أسلوبك مقابل تحقيق نتائج أفضل وهو بالفعل ما حدث أمام مانشستر سيتي وحقق ساري فوزه الأول على بيب جوارديولا، لكن في حالة عدم اقتناعك بتلك المجموعة فلماذا وافقت عليها من الأساس قبل أن يبدأ الموسم؟ تلك الأمور تجعل وصف ساري بلقب الظالم أيضا أقرب إلى المنطقية بالتأكيد إلى جانب ظلمه بالمنافسة بتلك التشكيلة، وفي انتظار ماذا يحمل باقي الموسم في جعبته من خبايا.
                                        محمد الزهري

    مقالات متعلقة