السايكو بروزوفيتش، رجل بألف رجل

    في أم المعارك يظهر معدن الرجال، بنظراتهم القاتلة، و ضرباتهم الموجعة، يسطون على بصيرتك، القيادة ليست بتلك السهولة، إنها ملكة، قلائل هم أولئك الذي يولدون أقوياء، يخترقون الحقيقة وسط الشك، يدفعون أرواحهم لإنقاذ الآخرين من الورطة، يلقون بسنارتهم داخل الأمواج دون خوف أو تردد..

    يقول إيفان راكتيتش مكيلا المديح لزميله مارسيلو بنظرات يملؤها الإعجاب 'ﻣﺎﺭﺳﻴﻠﻮ ﻻﻋﺐ ﻻ ﻣﺜﻴﻞ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﻜﺮﺓ، ﻫﻮ ﻳﺮﻳﺪﻫﺎ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻣﻌﻪ، ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻼﻋﺒﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺨﺘﺒﺌﻮﻥ ﺑﺎلملعب'، الفترة الأخيرة اشتهر بروزو، قبل عامين كان مجهولا، ضائعا داخل الإنتر، لا يعرف أين يلعب، جرب جميع الحلول داخل أصقاع الملعب كاملا، كل المراكز التي ظن أنه قادرا على التميز فيها قابلته بخيبة أمل..

    داخل جنبات الجيوزيبي مياتزا قوبل بروزو بغضب عارم، المشجعون يهتفون ضده، ما زاد الطين بلة و زاد من حدة المطالبة برحيله نزول أداء الفريق لشكل عام، دخل الرجل في دوامة، القي به في بحر الظلمات لم يعد قادرا على فعل شيء، كأن الآلة بداخله توقفت عن العمل..

    لأن الشمس لا تغيب، و مهما طال ضوء القمر فإن فجر الصباح آت، جاءت الطفرة، بييرو أوسيليو اقترح بتغيير مركز الرجل، مارسيلو سيلعب كصانع ألعاب متأخر، الدور المناط اسمه التكتيكي الريجيستا، منظم اللعب، المتحكم في الريتم، و الريشة التي تفصل بين خط الدفاع و خط الوسط، سلسلة الوصل بين الخطوط، و القطعة المكملة لتكتيك خط الوسط..

    لتتوانى بعدها إشارات المديح، السايكو يبدأ العرض، يقدم لم لك طبقا ساخنا من المتعة، يجري لطلب الكرة من زملائه، و يستغل فرغات الخطوط، قديما اشتهر لاعبوا مركز خط الوسط المتأخر بقطع الكرات و المساندة الدفاعية، الإرتكاز العصري تغير تغيرا شاملا، اتقان الدوران بالكرة و اللعب حسب الأدوار و تحرك كتلة الفريق لزعزعة استقرار الخصم أصبح ضرورة ملحة..

    يسقط بروزو كمدافع ثالث، منطقة Zone14 بعرضها و طولها في ملكيته الخاصة، يقف بظهره اثناء تواجد بالكرة بين ارجل المدافعين، فور وصوله للكرة يصبح ظهره للمرمى، عملية الدوران السريعة تجعله رؤيته للملعب أفضل، في إعادة للعملية بروزو يمثل الخيار العمودي الأول للتمرير، فور صعود الكرة يصبح الحجرة التي تعود إليها إذا أغلقت في وجهك زوايا التمرير..

    تكتيكيا مارسيلو لاعب ناضج، اللمسة الأولى و الثانية و الثالثة ثم التمرير تتيح له قتل أكثر لاعب من الخصم يحاول الضغط، الإحصائيات تثبت كل ما ذكر، بروزو من أفضل اللاعبين استحواذا على الكرة، تمريراته ليست عشوائة، بامتلاكه للكرة يتيح لزملائه خيارات التمركز السليم لإعطاء الحلول..

    يقول ماريسيو الذي قدم دراسة خاصة في احد كتبه عن المساحة في اللعب الموضعي 'ﺍﻟﻤﺴﺎﺣﺔ، ﺣﺴﻨﺎ، ﻛﻠﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺿﻴﻘﺔ ﻛﻠﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭﺍﺕ ﺗﺘﺨﺬ ﺑﺴﺮﻋﺔ، ﻭ ﻛﻠﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻛﺜﺮ ﺇﺗﺴﺎﻋﺎ ﻛﻠﻤﺎ ﺷﻤﻠﺖ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺘﻤﺮﻳﺮ ﻭ ﺇﺗﺠﺎﻫﺎﺗﻪ، ﻟﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺮﺍﺕ ﺃﻗﻮﻡ ﺑﺘﻀﻴﻴﻘﻬﺎ ﻭﻓﻲ ﻣﺮﺍﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﺃﻗﻮﻡ ﺑﺘﻮﺳﻴﻌﻬﺎ'، هذا التعريف بالمساحة يشمل كل أماكن اللعب، تنطبق هذه المقولة على بروزو الذي يتحكم ديناميكيا في المساحة داخل خط الوسط..

    حسنا، إنه ببساطة لاعب خط الوسط المتأخر و صانع اللعب الإضافي في الإستحواذ على الكرة داخل الثلث الأخير، يتقدم خطوات وسط الدائرة، يوسع الملعب و يعرضه بتحركاته..

    الإدراك مكانه العقل، إدراكك لقوة بروزو يحتاج منك النزول بنظراتك إلى ما خلف الدائرة، المكان روسيا 2018، الزمن الصيف الحارق، فتى كرواتيا قدم عروض هائلة في خط الوسط، إذا كنت ممن يشاهدون كرة القدم فقط ستوافق أحدهم نط قائلا في مباراة روسيا ضد كرواتيا أن على زلاتكو داليتش إخراج بروزو لأنه دون فائدة، طبعا القائل لم يدرك القيمة الحقيقية، عقله توقف عن العمل حينها، ربما لأنه اطلع على التشكيلة فقط دون معرفة الأدوار الحقيقية..

    في مواجهة روسيا عانت كرواتيا في اماكن من اللعب، خاصة الثلث الذي تنتقل فيه الكرة، المقياس الحراري فاقدا توازنه و النتيجة اختراق لمنطقة الإرتكاز دون رقابة، هدف بتغطية سيئة من منطقة لعب فيها زلاتكو بمودريتش و راكيتيتش إضافة إلى كراكراتي ك MC يتقدمهما، النتيجة سيئة، إيفان و لوكا تركا المساحات، إجبرا بعدها عن عدم المساندة، و السؤال الحري بالمتابع طرحه لماذا؟..

    بروزو رجل يحرر الآخرين، لم يشركه زلاتكو ليسقط في الفخ، فقد ميزة التفوق العددي في خط الوسط التي يحاول خلقها دائما، تدارك الأمر ليشركه فيما بعد، لأن مهمة السند و الإسناد افتقدت داخل تلك المباراة، لعل تلك المباريات الأخيرة كانت طفرة اخرى أظهر فيها مارسيلو ما يملكه من عتاد و زخم كروي، نضج تكتيكي أدهش المشاهدين و عمل شاق استطاع به كتابة التاريخ رفقة منتخبه..

    الشهرة تنتزع بالعمل و التفاني، السايكو بروزفيتش يغنيك عن إشراك كثيرين في خط الوسط، إنها أكثر أيام مسيرته سعادة منذ بداياته على الإطلاق، إنه يضم نفسه إلى جانب كثيرين ممن تألقوا كصانعي لعب متأخرين، الذي يطلق عليهم تكتيكيا، لقب الريجيستا..
                            زيد شقيري

    مقالات متعلقة