رجال دون جودة، يترأسون عروض السيرك


    التاريخ ذا ثوابت و قواعد ثابتة، القوي يأكل الضعيف، و الكبير يفترس الاصغر منه، لا شفقة و لا رحمة، إلا في أحيان قليلة كان فيها الخاسر هو المشهور، هو صاحب الريادة، قاتل بفرصته و كبريائه في محاولة لاستعادة الأشياء المسروقة منه، إنهم يطلقون عليها اسمة الفلتة التي اخترقت الثوابت و تجاوزتها لصناعة التاريخ..

    في رحلتنا هذه نقابل ثلاثة رجال أذكياء، في لوحات النتائج قد تجدهم دائما خاسرين، و على العكس في رقعة الميدان ستجدهم يقدمون عرضا مندمجا مع بعضه، مسرحية متكاملة الأضلاع، سحر يتجاوز العظمة، إلى ما خلف الستار بعيدا عن الأرقام، جودة المقتنيات محدود نوعا ما..


    نحن الآن على متن القطار بمحطة أوتينسي بروما، الرحلة الثالثة على الساعة الواحد إلا ربعا، الوجهة مدينة بيرغامو العتيقة، الساحات التاريخية و الكنائس المزخرفة تملأ المدينة، على الضفة الأخرى يتواجد ملعب أتلانتا بيرغامو، نادي المدينة الشهير الذي يقوده عجوز ملأ الشيب شعره، أوركسترا سمفونيات لا تهاب الكبار، بمواد محدودة يقدم لنا جاسبيريني عروضا تكتيكية هائلة تتجاوز السحر..

    رواد التكتيك في إيطاليا و المهتمون بالكرة الشاملة داخل الطاليان، يعتبرون جاسپريني متمردا على الطقوس الكروية الإيطالية، رجل مخاطر لا تهمه النتائج، يقف على الخط لاستلهام ما تعلمه، يملك خزان وقود من الشباب داخل الأكاديمية..

    في رحلة البحث عن القمة من ملاك أتلانتا لم يتوقعوا أن يزدهر الفريق بهذه السرعة بعد الصعود الأخير، لعل التفكير بجلب جيان كمدرب سرع التطور، إضافة إلى بابو غوميز الشاب النحيف الذي يقدم الكثير من القوة رغم جسده الصغير، و هيأته الضعيفة..


    جيان مهووس بالهجوم باي تفصيلة تخص هذا الجانب، من هذه الناحية يحاول الهجوم على طريقة 3-4-3 التي استحدثها منذ 2006، لا يحب الأظهرة التقليدية بتاتا، يطالبهم دائما بالهجوم، و اختراق الأطراف، معدلات مراوغات الأظهرة تجدها مرتفعة في اتلانتا..

    العملية الهجومية تبدو فوضوية فور مشاهدتها لأول مرة، عندما تمعن النظر ستفهم ما يريده جاسبيريني من خط وسطه، ماسيليو قلب الدفاع يصعد ليصبح ظهير على الخط، لشغل المساحة في ظهر جوسينس الذي يتحول كجناح مكان غوميز الذي لا يتوقف عن التحرك، تلك اللحظة التي يهاجم فيها بابو أنصاف المساحات يعود فريولر لاعب خط الوسط لتغطية مكان قلب الدفاع، و الفكرة في رأس حاسبيريني هي الهجوم عبر الأطراف، أتلانتا يمتلك سجلا ضعيفا في الهجوم من العمق لذلك يحاولون الهجوم عبر المربعات بالأطراف ..


    طريقة إدارة جاسپيريني للمباريات يطلقوت عليها اسم 'الفوضى المنظمة'، التحركات المذكورة سابقا لا تهدف إلى نقل الكرة عموديا بسرعة فقط، و إنما لوضع غوميز و ريغوني دائما في وضعية 1vs1، لاستغلال مهارة غوميز المميزة، العملية تسلسلية لامركزية لاثابتة، دائما هنالك انتقال انصف المساحة خارج المربع المصطنع، إضافة الى خط الوسط التكتيكي، فريولر و دو رون لا يستهان بهما من ناحية دقة التمريرات و حماية الظهر و تنظيم اللعب، و جعل الآخرين أحرارا..

    يمارس الفريق عملية ضغط عالية موجهة نحو الخصم مباشرة، الظهيران يغلقان على الأجنحة لتحويل اللعب إلى العمق، عند سقوط الخصم نحو الوسط يحاول الضاغطون إنشاء عملية ضغط على المركز، ما يجعل المظافعين بدورهم يتقدمون، قد تخلق هذه الطريقة ثغرات عدة، مفوفة بالمخاطر و غير محسوبة العواقب، المشكلة الأكبر أن اي تهاون من لاعب من أتلانتا يحاول الضغط، ستمنح الخصم الخال للكرة وقتا لإيجاد الثغرة، الطريقة تعتمد على التوقيت و الدقة..


    لم يتوقع أحد أن يصل الفريق إلى هذه العروض الجذابة بجودة محدودة، جاسپيريني هو رجل السيرك الأول الممتع، الذي يقدم لك المتعة بخبرته و قناعاته التكتيكية، إنه تماما كما يسطرون عليه بالبند العريض 'رجل الفوضى المنظمة'..

    من قطار بيرغامو و محطته الواسعة نحو عاصمة إقليم ليغوريا جنوة، ذات الميناء الواسع و ساحة أكوافيردي الشهيرة، عشاق المستديرة داخل المدينة ينقسمون إلى شقين، الشق الذي يعشق الفريق الحامل لاسم المدينة جنوة، و الشق الذي تدور الأحداث حول مدربه فريق سامبدوريا..

    جيامباولو هو رئيس التكتيك في الإقليم، لاتلميذ البار لأستاذته، مقتنع بأفعاله، منجذب لأفكار الكرة الشاملة، لا يؤمن بالدفاع بقدر ما هو متوجه للهجوم، مخاطر بحسابات دقيقة، مجنون ينصح بمتابعته للمولوعين بالتكتيك باﻟPositional-Play..


    نظام التوازن هو الشيء المتبع في تكتيك سامبدوريا، في الجولات الاولى للدوري تقول الإحصائيات أن رجال ماركو كانوا ثالث أفضل خط دفاع في الدوريات الخمس الكبرى، يأتي هذا بعد رحيل توريرا و ماتياس سيلفستر إضافة إلى جيان ماركو فيريرا، تعتبر هذه الخاصية أحد نقاط القوة لماركو، تطوير القادمين بسرعة، فقدان لاعب ارتكاز و قلبي دفاع اساسيين ليس بالأمر الهين، و مع ذلك تمكن الفريق من الحفاظ على قوته الدفاعية..

    في المراحل الدفاعية يدافع الفريق بدفاع المنطقة عرضيا، الزميل، الكرة، و المساحة هي اساسيات دفاع سامبدوريا، الإعتماد على شاكلة 4-3-1-2 يهدف إلى تضييق الخناق، ثلاثة يدافعون عن المركز، و لاعب صانع العاب يغلق المساحة العمودية بين الوسط و الهجوم ...




    دفاعيا يلعب الفريق حسب الخصم، ضد الفرق التي تمتلك جودة في العمق يقوم الفريق بتضييق المسافات أكثر، بينما ضد الفرق التي لا تمتلك قوة في للعمق فإن المسافات تتوسع، و الإنطلاق نحو الكرة بسرعة ..

    دائما يحافظ الفريق على شكل منظم أثناء فقدان الكرة، الأربعة في الخلف يتحركون و كأنهم مسطرة، إذا تأخرت الكرة خمسة امتار ستجد الفريق يعود خمسة أمتار، إذا اتجهت الكرة يمينا خمسة أمتار سيتحرك الفريق كذلك على نفس المسافة كما يقول أحد المحللين، اللعب يتمحور حول المركز، ثلاثي الوسط يتحكمون بالنهج و بالطريقة التي يتحرك بها الفريق..


    هجوميا يتحرك الفريق ككتلة، يحافظ على شاكلته اثناء البناء، التمريرات القصيرات العمودية أو الطويلة المركزة نحو المتحركين هي اساس لعبة جيامباولو، خطة الدياموند تختلف عند جيامباولو، الأظهرة لا تتحرر كثيرا على الخط، و إنما تعمل للعودة و الإرتداد..

    اﻟThird-Men هو اساس الخروج بالعمليات من الضغط، جيامباولو مهتم بهذه المسألة، يعشق لاعبي الإرتكاز، توريرا سابقا و الآن آلبين إكدال، لماذا؟ لاستخدامهم كلاعبين يسقطون بين لاعبي الدفاع، يفتحون المساحة عموديا و عرضيا، و للضغط أثناء تقدم الفريق للأمام، كتوريرا في آرسنال..

    التمريرات العمودية هي مفتاح اللعب، يقف لاعب الوسط بين الخطوط للتمريرة الاولى، اثناء الإستقبال يتحرك الجناح عرضيا، فتح قنوات التمرير بسرعة عبر خطة الإستحواذ السريعة، و التحرك لتخليص الرجل الثالث من الرقابة، يتم خلق الفرص عبر العرضيات الارضية في المساحات التي تخلق على الأجنحة، أو السحب في انصاف المساحات، و في العمق ايضا..


    المهاجمان هما رجال الثلث الأخير، يتحركان عرضيا و عموديا، يعملان جماعيا تارة و فرديا تارة، في اﻟHalf-Spaces يتحركان لمحاولة جذب المدافعين و خلق المساحة المستغلة من القادمين من الخلف، عند فقدان الكرة يتحول الفريق للضغط العالي لاستعادة الكرة بسرعة..

    جيامباولو هو أحد اساتذة اللعب التموضعي، يصفه البعض على انه مزيج من ماوريسيو ساري و زيدنيك زيكان، عبقري من مدرسة إيطالية عصرية، تحاول تقديم المتعة رغم ضعف الإمكانات البشرية، التي تعتمد على جلب الشباب و تطويرهم، ماركو دواء آمن لمن اصابهم داء الكرة العشوائية، و نظامها الفوضوي..

    نحن الآن نقترب من نهاية الرحلة، القطار الأخير المتوجه نحو مدينة ساسولو، القصور التاريخية، و مصانع السيراميك الشهيرة هناك، كل شيء يجعل المدينة، المدينة الخاضعة تحت حكم مقاطعة مودينا، مهلا نحن نخرج عن الموضوع أتينا إلى هنا لزيارتهم أحدهم، لرؤية اسلوبه الجذاب..


    حسنا، تذكرت أخيرا، نحن الآن نبحث عن مركز تدريبات ساسولو، المسيرة تحت إمرة غوارديولا إيطاليا الحديث، شابا لم يتجاوز الأربعين سنة، في محاولته للبحث عن ذاته، و تطبيق أفكاره الشاملة، يبدو حريصا على تفاصيل كثيرة ينقلها لصغاره، أثاث منزله يبدو رثا، رغم كل المحاولات المحبطة يحاول إيجاد شيء ما، ابتكار المعجزة من العدم..

    ما يلفت النظر داخل مذكرات الرجل التي تطبق داخل رقعة الميدان، التلاحم بين اللاعبين و التقارب دائما، تشكيل مثلثات للخروج بالكرة للتحول السريع، روبيرتو يريد من لاعبيه دائما أن يصنعوا خيارين للتمرير لحامل الكرة على الأقل، لذلك بقرب حامل الكرة، هنالك اثنان يقتربان و اثنان يتحولان خارجا لتسهيل عمليات بناء اللعب..

    تبدأ عمليات الخروج بالكرة من حارس المرمى، لذلك يتشكل الفريق بإحدى عشر مثلثا، الظهيران الخلفيان على نفس الخط بالوسط، الإرتكازيون رجال يغطون الممرات الفارغة، قي محاولة للسيطرة على المركز عموديا و عرضيا، و الإختراق من جميع خطوط الملعب، في العملية يتحول رأس الحربة بواتينغ بظهره إلى المرمى، التمريرة الأولى نحوه يعيدها للممر الأول، في تلك اللحظة يتحرك لاعب من خط الوسط ليخترق زاوية مفتوحة، إلى جانبه عموديا يتحرك لاعب خط وسط آخر ليصبح مهاجما وهميا زائدا في التكتيك لجعل الكرة العرضية الأرضية ذات خياريان أوليين قائما أولا و آخر ثانيا..





    مرحلة الضغط التي يطبقها ساسولو بقيادة مدربه دي زيربي تعتمد على أساس من ضلعين، الضغط العكسي عند فقدان الكرة في عمليات الهجوم، يضغط الفريق حينها في مياحة ضيقة بخلق 4vs3 لزيادة قوة استرجاع الكرة، الضلع الثاني في حالة محاولة الفرق الأخرى البناء يتم الضغط في المركز و على الأطراف، الطريقة شبيهة بكرة السلة، ضغط رجلا لرجل و على مفاتيح اللعب (الصورة في التعليق)..

    باللامركزية يسعى روبيرتو لتحريك الفرق الأخرى، التحرك الوهمي و البحث الدائم عن رأس المثلث في وسط الميدان و تحركات الأجنحة في العمق و خارجه بتناسق مع الأظهر طرق يحاول بها ساسولو اختراق الفرق الأخرى..


    دفاعيا يلعب الرجل دفاع المنطقة، حتى تفاصيل الكرات الثابتة لا يتركها تمر بسلام، الوقوف في مسافات محسوبة يتحرك فيها الفريق عرضيا و طوليا حسب تواجد الكرة، اﻟـPositional-Play أساس أفكار ديزربي، إنه أحد الرجال القادمين بقوة في عالم التدريب، رجل تحبه من النظرة الأولى..

    جاسپيريني، جيامباولو، روبيرتو ديزربي، رحلة عبر مدن بيرغامو، جنوة، و أخيرا ساسولو، في محاولة يائسة لإعطاء هؤلاء الرجال قليلا من الإنصاف لرجال دون جودة يقدمون عروض سيرك جذابة للعامة، مغامرون لإعطائنا نفسا جديدا، شغفا لمتابعة التفاصيل، و الإشتياق لمتابعتهم كلما سمحت الفرصة بذلك..
                                         زيد شقيري

    مقالات متعلقة