أصعبُ مما تتخيل، لأن المُحللين كاذبون!

    هم ليسوا كاذبين بشكلِ تغيير الشئ عن موضعه، بل لأنهم يحاولون إدعاء العكس، فُلان محللٌ عتيق في قنوات بي إن سبورتس يتكلم عن الظغط فقط، كلُ شئٍ قد قاله في تحليل المباراة السابقة ، نعود للمباراة السابقة كي نجد أنه قال نفس العبارة، ستعيش بالطبع نفس المتوالية إذ عُدت للخلف، الآخرُ يملك وجهًا حسنًا يبتسمُ مع قوله نفس الأشياء التي تُقال في ستوديو النيل للرياضة بقيادة الكابتن خالد لطيف - الذي كان والده معلقًا مُبجلًا بالمناسبة - مع بضعة شيوخٍ لا يزالون يأخذُون الكرة من علوم ستينيات القرن الماضي ، لا بأس بكل ذلك إن كنت تكتم صوت التلفاز بين شوطي اللقاء لأنك تعرف نفس الكلمات، حتي أبي وأبيك وجدينا معًا لا يعطون بالًا لذلك، هم يريدون فقط أن يفوز فريقهم المحلي، يُغلقون التلفاز ثم يخلدون للنوم لأن العمل ينتظرهم في اليوم التالي!

    إن كل المحللون ليسوا مخادعين كذلك، لكنهم مُدعون أيضًا بشكلٍ ما ، مع العلم أنهم لا يقصدون غشك عبر كليشيهات أُهلكت قولًا حول اللعبة، لا يمكن أن يكونوا علي حقٍ دائمًا بالطبع، ربما ينظرُ المدربون يومياً لمقالات نقدية قد وُجهت لهم في المباراة الماضية ثم يقول " ما هذا الهراء" ، لقد أتهمه عدة صحفيون بأشياءٍ لم يقلها أبدًا، لم تصدر من فمه عبر أي وقت، هذا لا يعني أن أولئك الصفحيون مخادعون قطعًا ، ربما قد بنوا وجهات نظرهم علي أمورٍ قد شاهدوها بالفعل، قد تكرر نمط الكتابة عند مجموعة من المحللين البارزين الذي لم يكتسبوا صيتهم هباءًا، لكنهم لا يزالون في مقر ديلي ميل وجارديان يستمتعون بمكيف الهواء وينقحون ملاحظاتهم ألف مرة، إنهم لم يدخلوا الغرف ولم يقفوا علي الخط، لم يقضوا الليلة الماضية في غرف أحد اللاعبين، والبعض لم ينل فرصة سؤالهم أبدًا!

    قبل أن تترك تحليلك الذي لم تكمله بعد، عليك أن لا تُسئ فهمي أولًا، إن عمل المحللين في الحقيقة أكثر تعقيدًا، إنها لُعبة العقل المحض، إنك تشاهد 90 دقيقةً عبر شاشة التلفاز بينما لا تعطي الكاميرا سوي أجزاءًا أقل إتساعًا من الملعب الكبير، تقطع بعض اللقطات عبر كادارت لا فائدة منها أحيانًا، أنت لا تسمع شيئًا سوي المعلق، عليك بعدها أن تُمعن في الأجزاء المُتاحة إليك، من أخطأ وأين، هل ضغط الفريق بشكل سئ، هل إختلت مجموعات الصيد، هل عمل الظهيرُ بشكل جيد مع الجناح ، هل أدرك الظهير مع قلب دفاعه جيوبهم المفتوحة، كيف هاجم الفريق، هل نوع هجومه ، هل كان ممتازًا في التحول، كيف كسر خطوط ضغط المنافس، لماذا لعب بهذا اللاعب دون الآخر، هي لعبة معقدة بالفعل، أنت لا تري سوي عدة لوحات صامتة متصلة ثم عليك أن تستخلص بعد ذلك تحليلًا، أنت تجمع المعلومات والنتائج والملاحظات ثم تدمجها معاً ، إنها ليست روايةً للحدث كما يفعل البعض الآن مُدعين أنهم يقومون بتحليل اللعبة، إنها تفصيل الحدث في الحقيقة!

    ربما هاجم ذات مرة أحد الأظهرة مساحةً فارغة في ظهر أحد الأظهرة المقابلة عبر مباراة ما بمساعدة جناحه الذي يتحول في أنصاف المساحات أو المساحة الطولية ، لقد تكرر الحدث كثيرًا حتي إنتفض صديقي جانبي بقوله " يا له من مدربٍ غبي لقد وجد ظهيره مُستباحًا ولم يتحرك لتوجيهه أو حمايته " لقد رد صديقي الآخر " ماذا يفعلُ المدرب تجاه ظهيرٍ سئ كهذا "، ربما لم يكن المدرب غبيًا أبدًا ولا الظهير أيضًا، من المحتمل أن المدرب طلب من لاعب وسطه حماية ظهيره هذا، لكنه كان أبطأ وأسوء من العودة سريعًا لذلك، ربما أيضًا لم يكن لاعب جناحه يقوم بالضغط العكسي بشكل جيد في الأمام وأن فلسفة مدربه قائمةٌ علي ذلك، إذاً .. ربما أخطأ الجناح وربما أخطأ لاعب الوسط وربما الظهير طواعية، بل والأدهي من ذلك أن لاعبًا ما في الجناح الآخر ربما لم يقم بعمله في توجيه الهجمة تجاه ما أراده المدرب، أو لم يجبره علي لعب الكرات الطويلة بينما الظهير " السئ " كان متأهبًا لإسترجاعٍ مبكرٍ لها ومهاجمة بعدد أكبر في وسط ملعب خصمه، أعرف أنه بدا مُعقدًا الآن أن تعرف من المسئول في الحقيقة، دون إن تُلقي سبابك جزافًا علي أي أحد!

    ربما إن كنت أريجو ساكي فأنا أعرف نمطك، أنت رجلٌ تؤمن بالتمرير القصير في مساحات أقل خلقت خصيصًا كي يختنق خصمك، ظهيرك لا يقف علي مساحة قريبة من مدافعك الأوسط، إنها أشياء مبنية عن أفكارك وتجربة مستمرة مستوحاة من مبارياتك الملعوبة، بإمكاني أن أعرف لما يقف اللاعبون في هذه المساحة، ولما يحاولون فعل هذه الأشياء وما الغاية منها، بإمكانني أن أتنبأ بعدها هل التواجد مبنيٌ عن إرادة حرة للاعب أم أنه تحركه كان بمارينيوت المدرب، عبر أشياءٍ قد قالها نصًا داخل الغرف أستمرت بنفس الشكل أمام نفس الفرق التي تلعب بنفس الأسلوب، قد تجد بعدها عنوانينٍ مفتاحية تقودك لمن أخطأ ، المدرب أم اللاعب ، أم سلسلة من اللاعبين في الحقيقة، يمكنني إعتبار أيضًا أن الخصم كان ذكيًا، لكنني أؤمن أن هذه اللعبة هي لعبة الأخطاء الأقل !

    قد تكون مباراة 0/0 هي مباراة مثالية في شرع كاتيناتشو أيضًا لكننا لا نحلل النتيجة ، قد يكون الفريقين لم يهاجما أبدًا ولم يملكوا هذا التنوع الذي خلق بالمقابل تفوقًا من المدرب في إدراكه وإيقافه والهجوم ضد عيوب الفريق الخصم، ربما مباراة 5/5 تكون أكثر مثاليةً من هذه في شرع كاتيناتشو ، لأنهم إمتلكوا قدرةً غير عادية لن يستطيع التكتيك وحدها إيقافها، أو كان اللاعبون سيئون فأستقبلوا أهدافًا ساذجة من وضعية 1 ل1 لا يتدخل المدرب في صياغتها، إن المباراة المثالية ليست حكرًا علي أي من هذه النتائج ، إن المباراة المثالية خططيًا هي التي يستطيع فيها كلا المدربين أن يهاجموا ويدافعوا ويغيروا ويفكروا فيها بشكل جيد، أن يتعاملون مع التغييرات بشكل فطن، أن يكونوا جاهزين لمط عقلهم وتسجيل ملاحظاتهم دائمًا!

    يقول مارسيلو بيلسا أنه لم يكن سهلًا أن أتتبع لويس فان خال حتي النهاية، أن أعرف كل ما يدور في عقله وأمسك بكل تلابيب تصوراته، حتي وبعد 500 مباراة قد صرت أدرك تبديلاته، إنه رقمٌ مهول بالفعل ليس بإمكان أحدنا أن يصل إليه حول مدرب واحد، يقول بييلسا أيضًا : " إن تلقيت هدفًا ما فهذه مسئولية مهاجميك، وإن أحرزت هدفاً ما فقد أبلي مدافعوك جيدًا " ، إنها فكرة التسلسل الخطي والكتل التي لا يمكن تجزئها عبر الخطوط والتي يؤمن بها سلاڤين بيليتش مثلًا، يجد أن تقسيم الخطوط الثالوثي ليس مؤشرًا حقيقًا للأحداث ، بينما يؤمن مورينيو بالعكس، إن الخطوط موجودة بذاتها، ودور الخطوط المقابلة أن تظل أكثر تماسكًا وتكسر مع تقدمها تماسك الآخر، لكنه لا يزال يندرج حول فكرة خطوط منفصلة ، بإمكان أحدها أن ينطلق وحده، كما حركة الرأس الملوية الشهيرة التي يتبعها مورينيو بلاعبين فقط!

    إن تحليل الكرة أصعبُ بكثيرٍ من الظن الإعتباطي أنك تسجل عدة ملاحظاتك ثم ترحل، تقتبس منها في الحقيقة ما تريد إثباته دون أن تسبح في بحرٍ من الإفتراضات المبنية علي إستنتاجات متسلسلة بكثيرٍ من التدقيق، إن المدرب يعطي تعليماته يقود تمرينه ثم يعرف بلا شك أي لاعبيه أخطأ وأيهم لم ينفذ مداراته كاملةً وأيهم مناسب للطريقة بشكل عمومي، هو لا يدور في منوال شكنا هذا، بينما المحللون كاذبون لأنهم لا يقفون علي الخط ولا يقودون الغرف، وبالطبع لا يُدركون الغيب!
                                        ابراهيم جمال

    مقالات متعلقة